الثلاثاء21102014

الأروع في صفقات التبادل .. !!

farawanaبقلم/ عبد الناصر فروانة

العشرون من مايو / آيار من عام ألف وتسعمائة وخمسة وثمانين، يومٌ ليس ككل الأيام في مسيرة الشعب الفلسطيني والأسرى عامة، يوم سيبقى محفوراً في الذاكرة الفلسطينية، وساطعا في سجلات التاريخ الفلسطيني  ومحطة أساسية (لا) يمكن محوها أو تجاهلها أو القفز عنها.

انه اليوم الذي نفذت فيه أروع وأعظم صفقات تبادل الأسرى وأكثرها زخماً في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي، والتي تُعرف بـ " عملية الجليل "قبل ثمانية وعشرين عاماً، حيث أجبرت " إسرائيل " بموجبها على إطلاق سراح ( 1155 ) أسيراً كانوا محتجزين في سجونها ومعتقلاتها المتعددة، مقابل ثلاثة جنود إسرائيليين كانوا مأسورين لدى الجبهة الشعبية – القيادة العامة.

لم تكن عملية التبادل هذه ، هي الأولى في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، كما لم تكن الأخيرة أيضاً، حيث سبقها وتلاها العديد من صفقات التبادل، مما يؤكد على أن ثقافة خطف وأسر الإسرائيليين بهدف تحرير الأسرى الفلسطينيين والعرب، هي ثقافة متجذرة لدى فصائل الثورة الفلسطينية على اختلاف مسمياتهم وتوجهاتهم، وهي جزء أساسي من أدبياتها وفلسفتها، ونشاطاتها منذ العام 1967، وان تاريخ الفصائل الوطنية والإسلامية الفلسطينية حافل بالعديد من محاولات أسر وخطف الجنود الإسرائيليين، والتي بعضها كتب لها النجاح وتوجت بصفقات تبادل وبعضها الآخر لم تكلل بالنجاح لأسباب موضوعية وذاتية عديدة، وفي مرات عديدة هاجمت قوات الاحتلال المكان المحتجز فيه مواطنيها وجنودها مما أدى إلى مقتل واصابة العديد منهم.

وللتاريخ حكاية، ومن حق الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن تفخر بأنها أول من خطت فصول وبدايات الحكاية لتُسجل وبنجاح أول صفقات التبادل في الثالث والعشرين من يوليو / تموز عام 1968، ثم تلتها حركة فتح مرات عدة وتعتبر صفقة التبادل التي أنجزتها في الثالث والعشرين من نوفمبر عام 1983 هي الأضخم والأكبر في تاريخ صفقات التبادل حيث أجبرت " إسرائيل " على إطلاق سراح جميع معتقلي معتقل أنصار في الجنوب اللبناني وعددهم ( 4700 ) معتقل فلسطيني ولبناني ، و( 65 ) أسيراً من السجون الإسرائيلية مقابل إطلاق سراح ستة جنود إسرائيليين كانوا محتجزين لدى حركة " فتح " .

التاريخ الفلسطيني عامة وتاريخ الحركة الوطنية الأسيرة خاصة حافل بالمآثر والبطولات، ومخطئ من يظن أن بإمكان فرد أو جماعة ومهما امتلك، أو امتلكوا من قوة وإمكانيات أن يمسحوا جزء من الماضي من سجلات ذاك التاريخ، أو أن يقفزوا عن بعض مراحله وعناوينه ومحطاته الأساسية بغض النظر عن المتغيرات واختلاف المواقف وتعارضها وربما تناقضها مع هذا الشخص أو تلك الجماعة صانعة الحدث 

وفي الثامن عشر من تشرين أول / أكتوبر من عام 2011 نجحت حركة " حماس " من إتمام آخر صفقات التبادل، وهي صفقة " شاليط " أو ما يُطلق عليها الفلسطينيون بـ " وفاء الأحرار " التي أطلق بموجبها سراح ( 1027 ) أسيراً وأسيرة مقابل إطلاق سراح " شاليط " الذي كانت تحتجزه ثلاثة فصائل فلسطينية هي ( حركة حماس وجيش الإسلام وألوية الناصر صلاح الدين ) في قطاع غزة منذ يونيو / حزيران 2006.

ونسجل هنا اعتزازنا بمجمل صفقات التبادل باعتبارها انتصارات تسجل لصالح الفصائل الفلسطينية، إلا أن " عملية الجليل " التي تمت في مثل هذا اليوم من عام 1985 كانت الأروع والأكثر زخما من بين تلك " الصفقات " وبغض النظر عن طبيعة مواقفنا وعلاقاتنا اليوم بالجبهة الشعبية - القيادة العامة التي نفذت تلك "الصفقة ".

ليس لأن والدي تحرر في اطارها ، وانما لأنه لم يسبقها أو يليها " صفقة تبادل " بنفس الشروط والمعطيات والنتائج، فهي الأكثر ألما للاحتلال الإسرائيلي وحكوماته وأجهزته المختلفة، وهي الأكثر تميزاً وزخماً في تاريخ صفقات التبادل.

"عملية الجليل" كما أطلق عليها تمت وفقا للشروط الفلسطينية وتميزت باكتسابها بُعداً فلسطينياً وقومياً وأممياً ، فشملت أسرى أجانب وعرب، أسرى من فلسطينيي 48 والقدس، بالإضافة إلى أسرى من الضفة الغربية وقطاع غزة، ولم يُستَثنَ أحدٌ، كما لم يتم إبعاد أي أسير قسراً، حيث خُير كل أسير ودون قيود أو اشتراطات أمنية في تحديد الجهة التي يرغب التوجه إليها والإقامة فيها بعد تحرره من السجن.

فشكلت صفعة قوية للاحتلال حيث ضخامة العدد، ونوعيتهم، فالغالبية العظمى منهم شاركوا بشكل فعلي في عمليات أوقعت خسائر بشرية في صفوف الإسرائيليين، وغالبيتهم العظمى صدرت بحقهم أحكاماً جائرة أدناها عشرات السنين وأقساها السجن المؤبد ( مدى الحياة ) لمرة أو لمرات عدة.

"عملية الجليل" أو" صفقة التبادل عام 1985 " شكلّت حدثاً نوعياً في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني يجب التوقف أمامه، و سابقة ثورية في كافة نتائجها كان من الواجب دراستها والاستفادة منها ، و انتصاراً تاريخياً يستوجب الاعتزاز به.

صفقة التبادل عام 1985 أو عملية الجليل شكّلت رافعة قوية لمعنويات الجماهير العربية والفلسطينية والحركة الأسيرة، وأن من تحرروا في إطارها شكّلوا رافداً مهماً للنضال الوطني الفلسطيني والقومي وللثورة الفلسطينية على اختلاف فصائلها.

وأن من تحرروا في إطارها لعبوا دوراً مميزاً بين صفوف شعبهم وداخل قراهم وتنظيماتهم وفي عمليات التأطير والتنظيم والتعبئة الجماهيرية والانخراط من جديد في عمليات المقاومة ضد الاحتلال، وكان لهم تأثير قوي على المواطنين، مما عكس نفسه ايجاباً على اتساع دائرة المقاومة والمد الجماهيري المقاوم للاحتلال، ولعبوا دوراً أساسياً في التحضير للانتفاضة الشعبية الأولى، كما لعبوا دوراً قيادياً فيها وفي تأجيجها واتساعها وديمومتها.

واليوم وبعد ثمانية وعشرين عاماً نناشد الجهات المعنية بضرورة إنصاف أبطالها وكل من تحرر في إطارها بما يكفل لهم ولذويهم حياة كريمة وفاءً لتضحياتهم وتقديرا لصمودهم في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

فهنيئا لنا ولشعبنا وأسرانا والحرية لكافة الأسرى القابعين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

اقرا المزيد